ابو القاسم عبد الكريم القشيري
77
لطائف الإشارات
فما الظن بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق سبحانه ؟ ما الذي يوجب لمن أكرم به ؟ ويقال خصوصية الملائكة بالتسبيح والتقديس وهذه طاعات تليق بالمخلوقين ؛ فإنّ الطاعة سمة العبيد ولا تتعداهم ، والعلم في الجملة صفة مدح يجب في نعت الحق سبحانه واجبا لا يصحّ لغيره ، فالذي يكرمه بما يتصف هو سبحانه ( بيانه وإن كان للمساواة أتم من الكرام بما يكون مخلوقا على جنس المخلوقات ) « 1 » . ويقال أكرمه في السر بما علّمه ثم بيّن تخصيصه يوم الجهر وقدّمه . ويقال قوله : « ثُمَّ عَرَضَهُمْ » ثم : حرف تراخ ومهلة . . إمّا على آدم ؛ فإنه أمهله من الوقت ما تقرر ذلك في قلبه ، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذ استخبره عما تحقّق به واستيقنه . وإمّا على الملائكة ؛ فقال لهم على وجه الوهلة : « أَنْبِئُونِي » فلمّا لم يتقدم لهم تعريف تحيّروا ، ولمّا تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ، ونطق وأفلح ، إظهارا لعنايته السابقة - سبحانه - بشأنه . وقوله : « إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » فيه إشارة إلى أنهم تعرّضوا لدعوى الخصوصية ، والفضيلة والمزية على آدم ، فعرّفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه في قديم تخصيصه . ولمّا علم الحقّ سبحانه تقاصر علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات ثم كلّفهم الإنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أنّ الأمر أمره ، والحكم حكمه ، فله تكليف المستطيع ، ردا على من توهّم أن أحكام الحق سبحانه معلّلة باستحسان أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول ، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن يشاء ، الحسن ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه « 2 » . قوله جلّ ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 32 ] قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قدّموا الثناء على ذكر ما اعتذروا به ، ونزّهوا حقيقة حكمه عن أن يكون يعرض وهم المعترضون « 3 » ، يعنى لا علم لنا بما سألتنا عنه ، ولا يتوجّه عليك لوم في تكليف العاجز
--> ( 1 ) هكذا جاءت العبارة في ص وهي لا تخلو من غموض ولكننا آثرنا عدم التدخل في إصلاحها نظرا لخطورة الموقف الذي تصفه ، ونرجح أن الناسخ مخطئ في نقله . ( 2 ) يغمز القشيري هنا بالمعتزلة الذين يقيسون الأفعال الإلهية بمقاييس إنسانية عقلية ( ولكنهم نزهوا اللّه من حيث العقل فأخطأوا ونزهه الصوفية من حيث العلم فأصابوا ) الرسالة ص 29 . ( 3 ) وردت ( المعترضين ) ، ويعرض هنا مضارع عرض في الآية السابقة .